عمر فروخ

37

تاريخ الأدب العربي

ولقد كانت هذه الألفاظ المختلفة في القبائل المختلفة مألوفة - على كثرة أو قلّة - في جميع بلاد العرب ودائرة على ألسنة شعراء الجاهلية . فلما جاء أصحاب المعاجم عدوّا جميع هذه الألفاظ عربية عامة فضموها في معاجمهم من غير تفريق بينها ؛ ومن هنا نشأت المترادفات الكثيرة حتى رأينا للسيف ، في القاموس العربي ، ألف اسم . وحتى رأينا كلمة « خال » تدل على أربعين معنى . وخضعت لغة مضر لما كانت قد خضعت له أخواتها من قبل ، بعوامل من الهرم ومن إيجاف العوامل الأجنبية ، فبدأ فيها اللحن . قال أبو عمرو بن العلاء : « فحلان من الشعراء كانا يقويان ( يخطئان في حركة الرويّ - الحرف الذي تبنى عليه القافية ) : النابغة وبشر بن أبي خازم » « 1 » . ومثل هذا معروف عند امرئ القيس وعند غيره أيضا . فإذا كان هؤلاء يلحنون ، فما بالك بسائر أهل الجاهلية ؟ ونزل القرآن الكريم بلغة العرب التي كانوا ينظمون فيها شعرهم ويلقون فيها خطبهم ويتخاطبون بها فيما بينهم . ومصداق ذلك قوله تعالى في سورة إبراهيم : « وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ » ( 14 : 4 ) . وجاءت الصفة « مبين » نعتا للسان العربي وللقرآن وللكتاب ( القرآن ) وللرسول اثنتا عشرة مرّة في القرآن الكريم منها : « ولقد نعلم أنهم يقولون : إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ ؛ لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ » ( 16 : 103 ) . ومنها أيضا : « نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ ، بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ » ( 26 : 194 - 196 ) . ومع نزول القرآن الكريم ، ولاهتمام المسلمين بتدوين كل آية عند نزولها ثم بالمحافظة على كل جملة ولفظة وحركة ووقف فيه ، وقفت لغة مضر عن التقهقر وحفظت إلى اليوم - كما كانت في عهد الرسول - لغة لنا فصحى صحيحة مأنوسة . ومنذ الجاهلية دخل على اللغة العربية كلمات أعجمية لمسميّات لم تكن عند العرب ثم طرأت عليهم فأخذوها بأسمائها . غير أن اللسان العربي استطاع أن يصقل هذه الالفاظ الأعجمية حتى أصبح بعضها وكأنه عربي خالص : من هذه الألفاظ : قرطاس - درهم - دينار - سجلّ - برنس - كرسي - دمقس - إستبرق - قصر . وهذه الكلمات الأعجمية دخلت في الشعر الجاهلي ،

--> ( 1 ) الشعر والشعراء 145 ، راجع 29 .